الشمندورة

نبضات قلب وارهاصات قلم


الرحيل ...

خرجت خالتي مسرعة وهي تلملم طرف ( شقتها ) المتدلي على الأرض خلفها وهي تكمل لفها على جسدها النحيل اثر صرخات عميقة متتالية آتية من الوادي المنحدر المقابل للبيت : أن ادركي متاعك طالتها المياه.

 

فلاحقتها وهي تنزل ( المشرة ) الضيق بخطوات واسعها وساقاي الدقيقتان تختلفان فتصطك ركبتاي فاستند الى الحقب تارة (جمع حقاب وهي الصخور) وجذوع الشجيرات  تارة اخرى.

 

وقفت هنيهة تدور بناظريها على الشاطيء مستطلعة مصدر الصوت وقد اكملت شد نطاقها إلى وسطها ...

 

انها جارتها (فاتن) بضم التاء ...

-  مالك ؟!!

وقبل أن تجيبها أدركت أن المياه قاربت لفائف الأمتعة المتراصة على الشاطيء ....بل اصابت بعضها ..

-          هيلووووو ...  أطلقتها خالتي بأنة انتزعتها من نياط قلبها المتعب اصلا من تبعات الحزن الناشيء منذ سماعها بخبر التهجير .

 

ثم انحت وجارتها لانقاذ ما يمكن انقاذه  من حاويات  البرش والمقاطف والكراتين المغلفة بالخيش وقديم الملابس ...  وهذه نحاسية ( دوكة ) وتلك آنية فخارية كانت تعد فيها ما بقي من لحم الأضحية لتخزينها (سلاد) وهناك قصاع نحاسية لزوم الولائم والاعراس ، وفي ناحية لفافة كبيرة من علاقات السعف (سولدي ) وبعضها من الصوف الملون لزينة غرفة العروس ... وهناك (زير) وبجواره (بيشيه)..

 

وأنا أجوب متطفلا بين متاع جيراننا على الشاطيء .. اركب هذه .. وأقلب تلك .. واستند الى اخرى ... أطارد الفراشات ... أقذف صفحة النيل بقطع الطين .. تعجبني تلك الدوائر .. اعاود الكرة ..

 

أتى صوتها المختلط بأنين المفارق يرتجل شعر المراثي الذي كان سائدا بين النساء ...  تقول بيتا وتلتقط أنفاسها المتحشرجة وتردد جارتها بأنات كأنين غزال فقد امه في فلاة.. تتناول طرف الشقة تمسح دمعتها ؛ وتعاود متمتمة الشطر الثاني ... بشفاه مرتعشة ... تتمالك بالكاد بكاءً مكبوتا في صدرها:

ياترى يا ابا .... هل ستدرك رحيلنا

أم أننا سنفتقدك؟

ترى ماذا يخبيء لنا القدر

هل سنلتقي أحباءنا  ؟ أم أنك لن تمهلنا

أحقا  أننا راحلون ...؟

تاركون ديارنا .. سواقينا ... شواديفنا

ثم خفت صوتهما ..

مرت عبارة بخارية تطلق صافرة طويلة

ثم علا نشيجهما ...

 

 

(0) تعليقات


أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية