في مساء أحد أيام الصيف القائظ .. الوقت ما بعد العصر .. والشمس بدأت بالتحول ناحية الغرب ..
الظل ينحدر من على الجدر ويستقر على المصاطب ثم يواصل زحفه على الأرض وكأنه يحاول تخفيف وهج الشمس الذي ظل يلهبها طوال النهار ...
جلست سالمة على طرف المصطبة وظهرها ناحية الجدار ؛ وفي حضنها وليدتها تقيها لفحة الهواء القادم من الشمال .. القمتها ثديها .. وراحت تهدهدها .. ثم غاصت في حالة سرح عميق ...
- ماذا عساي أن أفعل لو طاوع هذا الرجل أمه ؟...!!! ما مصيري وبناتي الثلاث؟ ..!!!
- أحقا ما تقول خالتي ... ؟!!!
- لا .. لا .. ليس بعد هذا العمر ..
- أي عمر أيتها الغافلة؟ .. انها خمس سنوات فقط ... أنت تعرفين كيف تزوجك ..
- نعم تزوجني تلبية لرغبة أمه ، ولكنه كان يحبني كذلك ...
- يا عزيزتي .. الرجل طوع امه ولا يرد لها طلب .. وأنت تعلمين ذلك جيدا...
استفاقت من تصارع عقلها وقلبها اثر تحية القتها احدى جاراتها .. ردت بالمثل.. وقبل أن تعود .. خرقت اذنيها صوت خالتها : كيف تجلسين في هذا الهواء الحار بالرضيعة؟
- مللت المكث في الدار يا خالتي... ثم لملمت الأغطية على الرضيعة وقامت منسحبة الى الداخل ..
***
ما أن تنكسر حرارة الظهيرة تتداعى العجائز الى مجلسهن اليومي ... فساعة العصاري وقت مقدس لا يمكن تفويته.
كانت الحماة - كعادتها – أول الواردين على المصطبة .. وقبل ان تمرر كف يدها على الرمل الأصفر المفروش منذ ايام فقط .. التفتت الى ابنة الجيران التي تكنس أمام بيتها فنهرتها ..
- الغبار يا بنت بيجي علينا ..
- أف .. انتي طلعتي .. قالت الفتاة في نفسها.. ثم أردفت : حاضر يا خالة أنا خلصت ..
سمعتها زوجة ابنها التي دخلت للتو : يا الهي .. لا تدع انسانا في حاله .. الآن تخرج اليها (جوقة النميمة) .. وفعلا وفدت العجائز تباعا ؛ وكأنهن ضبطن ساعاتهن سويا.
***
تصدرت هذه المسكينة عناوين الأخبار بعد أن رزقت بالمولود الثالث وكانت أيضا انثى ... وجن جنون حماتها .. فعمدت الى مجلسها الموبوء بالونس الحرام .. وأسرت اليهن بأنها لن تدع ابنها يعود الى الكويت هذه المرة دون أن يتزوج بأخرى .. وأنها بلغت من العمر ما بلغت وتريد أن ترى حفيدها قبل أن توافيها المنية .. وهي تعلم أن هؤلاء العجائز لن يكتمن سرا وسيصل الخبر بأسرع ما يمكن لغريمتها – ام زوجة ابنها.
***
ضاقت سالمة ذرعا بمجلس العجائز الذي لا عمل لهن الا تتبع ظلال الجدر وسير خلق الله ؛ كما ضاقت ذرعا بهمهماتن ونظرات الاشفاق المصطنعة التي تلاحقها كلما أطلت برأسها الى الشارع ... ترمق مصطبة الجيران المقابلة .. نفس الوجوه .. حماتها والعجائز الثلاثة ؛ اللائي لا يدعن شاردة ولا واردة الا وتقصين عنها .. بل وأشعنها مصاغة بصيغ مختلفة تضيع وسطها الحقيقة... كالأبالسة التي تسترق السمع في السماء فتتلقى الخبر وتدسها بين آلاف الكذبات وتنشرها.
هذه العجوز هي نفسها التي أضرمت حربا ضروسا مع عائلة زوجها لتزويج ابنها من ابنة اختها سيرا على غير العادات السائدة آنذاك .. لقد كسبت المعركة في مجتمع يسوده مقولة (الولد أولى ببنت عمه) وفوتت الفرصة على بنات أخوة زوجها وكان ما أرادت ، ولكن النفوس لا تزال شائبة...
تعيش سالمة هواجس الضرة لأنها تدرك مدى شخصية حماتها القوية ، كما أنها تعلم طيبة قلب زوجها حيال أمه لدرجة تصل الى الانقياد الكامل وتقترب من ضعف الشخصية ، وكذلك تخشى تدخل أمها فتزداد الأمور سوءً وتصل القطيعة بين الأختين مداها ، وتضاف الى قطيعة الأعمام التي لازالت قائمة من جراء الزيجة تلك.
لذا فهي دائمة التفكير في زوجها الذي تحبه ، وهي تحمل هم امها التي قد تموت كمدا من تصرفات اختها ...
يا الله ... كم ستكون ممتعة الحياة دون حموات ...








