من وحي الاغتراب
ما أيسر الاجراءات هذه المرة .. قالها وهو يطوي جواز سفره وبعض أوراقه ويدسها في حقيبة يده .. يسحب عربة الحقائب ويدفع بها أمامه متوجها الى سير الأمتعة .. اشرأب بعنقه فوق الزحام .. وقف على أطراف أصابعه ..
هاهي الحقيبة .. وبعدها دراجة أحمد .. أين الدبدوبة ؟ بحث عنها .. يا الهي .. سقطت من السير ؟!! لعلها لم تتسخ .. الحمدلله لم يحدث بها شيء .. لعلها تعجب رقية .. كل الأمور ميسرة اليوم.
لو سمحت ؛ أزاح من أمامه برفق .. وضع متاعه على العربة .. توجه للخروج من الصالة الخضراء .. أوقفه موظف الجمرك ؛ وهو يضغط بقبضة يده على الحقيبة : معك أجهزة ؟ ناوله الجواز : كنت هنا منذ أشهر ، ولكن الصغيرة ألحت علي أن أشهد العيد معهم. أعاده له : كل سنة وانت طيب.
خرج يسرع الخطى متشوقا .. يشعر بحميمية طاغية .. وكأنه لم يكن منذ شهور هنا .. جال بناظريه في وجوه المستقبلين المطلة على الصالة ؛ أين هم ؟ لقد وعدوني بالاستقبال .. هاهم .. حياهم ملوحا .. سرى في جسده صوت رقية الرقيق : بابا .. ارسل قبلة ؛ وهو يشير اليها بالدبدوبة الضخمة التي يحتضنها .. وفجأة قبل خطوات من الحاجز الأمني للصالة ..
تخور قواه .. تضطرب خطواته .. تتراقص صور المستقبلين في عينيه .. تتلاشى .. تظلم الدنيا .. يرتطم بالأرض مدويا ..
تتبعه صرخة ملتاعة : أبو أحمااااااااااااااااااااااااااد.
نزل بتؤدة .. أسند دراجته الى عامود الانارة ونحى الطاولة جانبا .. استلقى على ظهره محدقا بناظريه الى السماء ...
- قوم ياد يا ابن الـ ... ملقتش غير الحتة دي تنام فيها؟
- ايه يا عم الناس التلمة دي؟ ... انت يا ابني ..
قام اليه يركله .. أمسكه من تلابيبه ... وجده جسدا طيعا ثقيلا .. قبض على يده ؛ فاذا هي أبرد ما يكون ... تحوقل واستشهد .. واسترجع
انا لله وانا اليه راجعون...
تنادينا من على المكاتب .. وها قد توافدنا تباعا .. وجاء هو يجر صاحبه من رأسه يطويه بين عضده وساعده .. تسبقه ضحاته .. يلق السلام يمنة ويسرة .. يلا يا شباب الريوق .. يلا قبل العملاء ما يفاجئونا ..
شاب سامق الطول ربعة .. أنيق .. ينطق بالحيوية والنشاط .. حلو اللسان .. طيب المعشر ..
من وين جايبين الفطاير ؟ وين السبانخ .. قالها بلهجته الشامية المحببة ..
انهمكنا في تناول الفطائر .. وشرع البعض في تناول أحدهم بسوء .. قال : اذكروا محاسن موتاكم .. وابتعد عائدا الى مكتبه وبين يديه آخر قطمة .. اكملها ، وتناول كأس الماء التي بجواره ؛ ارتشف نصفها .. التمس كرسيه .. حاول الجلوس .. بلغ طرفه بالكاد ... ثم هوى
بكيْتُ على الشّبابِ بدمعِ عيني ... فلم يُغـنِ البُكاءُ ولا النّحـيبُ
فَيا أسـَفاً أسِفْتُ على شَـبابٍ ... نَعاهُ الشّيبُ والرّأسُ الخَضِيبُ
عريتُ منَ الشّبابِ وكنتُ غضاً ... كمَا يَعرَى منَ الوَرَقِ القَضيبُ
فيَا لَيتَ الشّـبابَ يَعُـودُ يَوْماً ... فأُخبرَهُ بمَا فَعَـلَ المَشــيبُ








