مع انسلال الخيوط الأخيرة من النهار مودعة اليوم الأول من الشهر الفضيل ؛ بينما يتلاشى وقع الاقدام شيئا فشيئا ليلف المكان بغلالة رقيقة من سكون العصاري ...
على ناصية الشارع يقف الجد صاحب الانحناءة الوقورة يصلح مصلاه السعف ناحية القبلة ؛ فيجلس على طرفها وقد وضع عمامته جانبا وكف ثوبه عن ساعديه وساقيه متهيئا للوضوء ، ثم يعمد منحنيا بهدوء الى ابريق الماء يرفع عن فوهته قطعة الحجر ويشرع في صب الماء.
بينما يهم بعض الصبية على مقربة منه في مد الحصر و (البرش) ، وها هي ( سلطانيات ) الأبريق وأطباق البلح المنقوع وسليق الذره (الجاري) اشرأبت على رؤوس الصبايا وأكفهن من البيوت المتراصة ، وخرجت تتهادى قامات بيضاء على بشرات سمراء اعتمرت بعضها عمائم واخرى ( طواقي ) تتقافز حولها اجساد غضة طرية تتبعها لم يفلح معهم زجر اخوتهم الكبار.
في الداخل ... زهرة مشغولة بهمة غير عادية .. انه اليوم الأول وجدول الأعمال اليومي يختلف عن بقية أيام العام؛ فلا تريد اختلالا تلام عليه ... فهاهي تطمئن على ( السفرة ) بنفسها وتراجع كل كبيرة وصغيرة خلف الفتيات ؛ بل تدفعهن بحزم لشد الحيل .. تسأل بنبرة آمرة : هل اعدتتم الماء البارد ؟ انتبهوا للملح ... اتلحلحي يا بت .. لحد امتى ايديكي سايبة كدة... وهن لا يملكن الا التذمر بصمت.
في الخارج .. على الحصر والبرش ... اكتمل عقد الجالسين ولم يبق مكان الا للجد .. المتكيء على عكازه ناصبا عينيه جهة الغرب مطرقا السمع جهة الشمال ..
الشمس غابت يا جدي ... أتاه صوت برعم.
ولكن مسجد كلابشة لم يؤذن ...
لازم نستنى مسجد كلابشة؟
تبسم الشيخ ولم يعقب..
وما أن أتى صوت المؤذن الخافت من جهة الشمال حتى اعتدل جهة القبلة رافعا صوته .. الله أكبر
فتهللت أسارير الصغار ...
تزاحمت الايدي على الأطباق المنتثرة على البسط ، ولف المكان سكون مطبق فلا تسمع الا ألسنة تلهج بالذكر أو رشفات أفواه ومضغات أسنان.
وعاد الشيخ بعدما فرغ من الأذان متصدرا المجلس ... بينما خرجت النساء بالصواني العامرة ونظمتها بهدوء على المصطبة القريبة ...
ثم اقيمت الصلاة ...








