الشمندورة

نبضات قلب وارهاصات قلم


عباس وطينته (2/3)

تتمه ...

 

عباس سعيد بما وصلت اليه الأمور  .. فقد استشعرت الفتاة محاولات عباس التقرب منها ولم تبد اعتراضا من تنويهات صديقتها – جارة عباس -  بأن هناك من يهتم بها ، ولما استفسرت قالت لها : عباس .. سكتت ولم تثن.

ولكن عباس استحضر المثل القائل ( السكوت علامة الرضا )

 

***

 

على أريكة في حديقة (كروب) الهادئة المطلة على النيل مباشرة جلس عباس واضعا كلتا يديه خلف رأسه متكئاً عليهما ؛ ماداً ساقيه .. يستمتع بأشعة الشمس الشتوية الحانية .. قرر أن يكافيء ذاته على هذا الانجاز ؛ فلم يذهب الى الكلية احتفاءً بهذه المناسبة.

 

وفي استرخاءة لم يعهدها مذ أيام الغيط والزرع .. بدا متهلل المحيا باسما ، تغمره نشوة لذيذة تسري في جسده .. تهتف روحه المشرئبة بعبارات النصر .. يرفع قبضته في الهواء .. ثم يعيدها ..  وراح يمعن النظر في صفحة النيل .. فأطال النظر .. ثم غاب ..

 

يشيد قصرا منيفا يطل على بحيرة زرقاء صافية بين يدي مروج خضراء على مد البصر ؛ تناثرت على جنباته أشجار تعج بعصافير تصدح بنغمات خافته .. ترتع فيها خيول ناصعة البياض ، يرقب أميرته من احدى شرفاته تتأرجح على أريكة ... ايه .. أيتها الروايات الرومانسية ... قالها في نفسه.

 

استفاق عباس من حلمه الرومانسي على لفحة أشعة الشمس .. فهي سخية اليوم على غير  عادتها ، وكذلك تسللت الى نفسه مشاعر محبطة تذكره بالواقع الصعب الذي سيواجهه..

***

لم يعاصر عباس سنوات التوتر التي سادت بين والده وعمه بعد زواجه من (قاهرية) خروجا على الأعراف ؛ ذلك نظرا لصغر سنه آنذاك ولتباعد قضبي القضية ؛ حيث سافر العم الى اوروبا وأطال القيام بها , وسافر والده الى الخليج ؛ الا أن اشارات أولية وصلته خلال هذه الفترة التي كانت شبيهة بسنوات الحرب الباردة ؛ ولكن لم تكن هذه الاشارات كافية بالقدر الذي يوقفه على حجم الهوة التي قطعت الأرحام.

 

وها هوذا في القاهرة وقد اقترب من موقع الحدث ؛ بل استوطن الحدث نفسه ؛ فكل يوم يقترب فيه من عائلة عمه يكتشف مدى اتساع شقة الخلاف ، ويوما بعد يوم يشعر بالخور يسري في جسده .. تشعره بأن حلمه بدأ ينسحب من بين اصابعه ولم يعد يقو على الاطباق عليه مما يزيده الما وحسرة وخوفا ؛ وكذلك حنقا على المجتمع الذي تربي فيه ؛ لقد بدأ يكفر بكل المباديء والقيم التي غرست فيه .. هذه المباديء التي بدأت تتهاوى من عليائها التي طالما فاخر بها بين أقرانه .. كيف يفخر بها وهي تحرمه من أبسط حقوقه .. كيف يرفعها وهي تجره الى الخلف .. بل تنزله الى أسفل ..

 

يا ناس .. ياهو .. متى كانت قطيعة الرحم مفخرة ..؟ .. صرخ في جوفه.

متى كان قتل الأحلام الصغيرة مبدأ يحتذى به..؟

متى كان العناد سيدا .. والحلم عبدا ..؟

 

وأخذت نفسه تجادله ..

- كيف ستقنع والدك بما أنت مقدم عليه .. ؟

- انت في السنة النهائية.

- وهل تظن أن هذا كاف؟

- مجرد خطبة.

- المشكلة ليست في الخطبة أو خلافها .. المشكلة كيف أقنعه بابنة عمي تحديدا؟

والدك أصبح شيخا كبيرا ليست له السطوة التي كان يتمتع بها.

- لازالت عنده بقايا .. نظرة واحدة من عينيه تكفي لارباكك.

- عندي اقتراح .. استعن بأخيك .. لن يبخل عليك ؛ وخاصة أنك ضحيت من أجله وتعمدت الرسوب مرارا لتنقذه من شبح التجنيد حتى بلغ السن القانونية للإعفاء.

- آه .. أتظن هذا .. !!! نعم هذه فكرة جيدة .. لا بأس من المحاولة ..

***

أزعجت الرسائل المتتابعة وزخم الوصايا مع القادمين الأخ الأكبر – المقيم في الخليج  .. فرضخ لإلحاحات أمه .. ووافق على دعم أخيه في مهمته القومية ..

 

أي نعم امها ليست من العائلة وليست نوبية كذلك ؛ ولكنها اولا وأخيرا ابنة عمه وهو أولى بها من غيره .. هكذا أقنعت ام عباس ابنها الأكبر .. رغم أنها لم تكن على ود معهم الا أنها ام لا تملك الا الاستكانة لتودد ابنها.. ولكن السؤال الأكبر الذي لا يزال ماثلا أمام الجميع : كيف السبيل الى اقناع الشيخ العنيد؟

 

المفاجأة كانت من الأم: لن نخبره ...

(0) تعليقات


أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية