تتمة..
جلس الشيخ العنيد كعادته كل ( عصرية ) أمام بيته وألقى جسده النحيل على تكأة واضعا ساقا على الأخرى ..مستندا الى الجدار .. ينفث دخان أرجيلته ..
- ولد يا محمد .. ولد يامحمد ..
- نعم .. نعم .. ( ضجرا مستاء)
- نعامة ترفصك .. مش قلت لك روح محطة كلابشة شوف الحجز؟
- طيب .. ماانا بألبس أهو.. وعاد داخلا وهو يتمتم .
محمد – اصغر الأبناء – مستاء كما الجميع من والده الشيخ ؛ لقراراته المفاجئة وأوامره فورية التنفيذ وكأنها فرمانات الباب العالي .. فصباح اليوم قرر أن يسافر الى القاهرة فجأة .. لما روجع في ذلك تعلل بالطبيب ؛ حيث يعاني من مشاكل صحية ، وأنه مل من أطباء كوم امبوا وأسوان الذين لا يفهمون في الطب ؛ بل زادوه مرضا على مرضه ... ولكن القوم يعلمون أنه يضمر شرا منذ علم بجريرة ابنه ، والا فهذه الأمراض التي يشكوها تلازمه منذ زمن وهي أولا وأخيرا أمراض شيخوخة . ولكنه ما يريد الا تنفيذ وعيده بأن يهزأ تلك المرأة وأولادها لأنها استدرجت الولد كما فعلت بعمه منذ عشرات السنين.
ومما زاد غضبه وأوغر صدره أن المؤامرة حيكت بليل ، وأن العجوز التي تقبع في الداخل هي من قادت هذه السابقة التي أحدثت شرخا في عرش سلطانه ، وصار مهمزا لبعض الشامتين من أبناء عمومته الذين طالما سقاهم من دكتاتوريته وسطوته ..
إيه أيتها الأيام فأنت حقا دول !!!.. تأوه مكبوت يخرج عسرا .. زفرات حارة حرارة رياح السموم التي تضرب الاقليم .. يجز على طقم اسنانه .. يؤنب نفسه .. يواسيها تارة .. يعود بذاكرته للوراء .. يجتر الأيام الخوالي .. يوم كانت نظرته ترتعد لها فرائص من حوله ، يوم كانت نحنحته عند ولوجه البيت تقيم القاعد وتقعد القائم ..
ولكن هين أيتها الشمطاوات .. ليس مثلي من تكسره النساء - قالها وهو يعتدل في جلسته .. يسحب الدخان بعنف تضطرب معها قارورة الشيشة .. ويلوي عنقه ناحية باب البيت يخرجه كثيفا وكأنه ينفثها في وجه العجوز.
ثم عاد يتمتم يحدث نفسه : لأردن اعتباري من تلك الفلاحة وهذه العجوز التي أوعزت لولدها أن يختفي الى أن سافر للخليج لاحقا بأخيه ، لن يغمض لي جفن حتى أفسد هذه الزيجة ... الله كريم .
بلغ الارهاق من الرجل مبلغا ؛ فقد اتعبه المكث في القطار لثنتي عشرة ساعة متواصلة واحتيج أن يعرض على الطبيب فورا .. وقد عنفهم الطبيب أن يتنقل رجل كهذا بالقطار ؛ ولكن ما عساهم أن يفعلوا مع انسان اعتمر حجر صوان مكان رأسه لا يتحلحل ولا يقتنع ؛ ولا يرى الا ما يرى؟
نصحه الطبيب بالراحة التامة وعدم الانفعال وأوصى بالرعاية المستمرة لأنه رفض المكث في المشفى تحت رعاية طبية فكان له ما أراد ولكن للطبيب أن يزره من يوم لآخر.
***
علمت الخطيبة بالأمر فتشاورت مع امها واخواتها في زيارة عمهم المريض ؛ وبعد أخذ ورد وجدال أشارت أن تذهب هي أولا ثم في يوم آخر تذهب الأخريات ومن ثم الأم ؛ فرفضت رفضا قاطعا ، لأنها لن تسلم من لسانه حتى وهو على فراش مرضه ، وهي تعرفه جيدا وقد سمعت منه ما سم بدنها منذ سنوات .. ولكنها عدلت عن رأيها لما رأت الاخت الوسطى أن تصحبها ..
***
أعدت هند العدة وتهيأت نفسياً ، وجهزت بعض ما قد يحتاجه المريض ، مع ما يلزم المناسبة من هدايا، وخرجت في الموعد المضروب رفقة اختها ... وعند الدرج الأول تثاقلت الخطوات وارتفعت دقات قلبيهما وتسلل اليهما الخوف .. ثم وقفتها هنيهة عند الباب والوجل يسكن كيانهما والأعصاب تزداد اضطرابا ...
فتح الباب فجأة .. ازداتا زهولا وفرقا كانت الجارة كانت تقوم على خدمة الرجل لحين عودة الابن الذي خرج لبعض شؤونه .. شعرت بهمهماتهما ففتحت تستطلع الأمر .. رحبت بهما وأدخلتها .. تقدمتا وكأنهما تمشيان على لوح زجاجي .. جاء صوت من الداخل :
- مين يا بت؟
- ازيك يا عمي ؟؟؟ قالت هند بشفاه مرتشعة وهي تتقدم ببطء ممل .. فلما حازت سريره مدت يدها وهي ترتعد ، وتبعتها الأخرى ، وجلستا.
وما هي الا دقائق حتى دخل محمد .. ألجمته المفاجأة ، وقف فاغرا فاه .. يلتفت يمنة ويسرة .. يطالع بنتي عمه .. عيناه تتساءلان .. وضع ما بيديه على طاولة جوار السرير ..
- ما تسلم يا ولد.
- السلام عليكم.
- جبت الدوا؟
- ايوه بس في نوع ناقص في السوق ، بكرة ح أدور عليه تاني.
نهضت الجارة تريد الانصراف .. نظرات هند أجلستها .. غادرت الغرفة وأومأت لها .. تبعتها ..
- بادرتها هند هامسة : معرفناش .
- يعرفكوا منين هو شافكم قبل كدة؟
- خليكي معانا شوية .
في الداخل :
- الأخت الأخرى : ازيك يا عمي ، انت عامل ايه؟
- أهو ؛ ماشي الحال .. نحمد ربنا .. ثم وضع كفه على حاجبيه كأنما يستشرف قادما من بعيد ، وأخذ يحدق فيها ؛ ثم اردف قائلا : .... والله يا بتي معلش أنا معرفتكيش بالصراحة.
- سبقها محمد : دول بنات عمي حسن نهى وهند.
- حسن ..!!؟؟ حسن ..!!؟؟ انتفض الرجل وكأنما لدغته حية .. حسن ..!!؟؟ وطفق يردد بصورة هيستيرية ...
نهضت نهى وقد اربكتها نفضة الرجل وصياحه .. دخلت الجارة : يا حج المسامح كريم ..
قاطعها : مسامح .. اسامح مين؟ اللي خرج عن طوعي ومرغ راسي في التراب ..؟ اللي خلاني مضغة على لسان اللي يسوى واللي ميسواش ..؟ راح يتجوزلي فلاحة ؟!!! خدامة؟!!! ، يمم وجهه شطر باب الغرفة يريد اسماعهما : هي امكم ليها عين تبعتكم كمان .. والله عجايب ..
وعلت شهقات الفتاتين اللتين انزوتا الى ركن في غرفة الجلوس .. وحار محمد واسقط في يديه وأشفق عليهما ، واستجمع شتات جرأته وقال لأبيه من خلف الباب : دي حكاية بقالها سنين طويلة يا حج .. وبعدين ايه ذنبهم همه .. قاطعه ..
.. : اخرس انت .. اخرس .. وأخذ يزوم ويرغي ويزبد كجمل هائج في عقاله.. واستحال الصياح انينا ..
ثم انهار على فراشه لا يحرك ساكنا...
دخلت الفتاتان مع صياح محمد .. ابويا








